مصطفى صادق الرافعي

214

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

فانظر ، هل ترى شيئا غير إلهي هذا التدبير المحكم والصنع العجيب ؟ وهل ترى ذلك أعجب من أن اللّه تعالى منع نبيه تصحيح وزن الشعر ، وجعل لسانه لا ينطلق به إذ وضعه موضع البلاغة من وحيه ، ونصبه منصب البيان لدينه ، لأنه تعالى يعلم من غيب المصلحة لعباده ، أنه صلّى اللّه عليه وسلم لو أقام وزن بيت مال به عمود الدين ، ثم لتصدع له الأساس الاجتماعي العظيم الذي جاء به القرآن ، إذ يكون قد بني على غير أركان وثيقة ولا عماد محكم . على أن منع الشعر إنما أخذ به صلّى اللّه عليه وسلم منذ نشأته ، ولولا ذلك ما استقام له وجه طبيعي ليس فيه ندرة تعدّ ؛ فقد نشأ منذ نشأته على بغضه ؛ والانصراف عما يزين الشيطان منه ، والنفرة من تعاطيه ، وعلى أن يتوهم شيئا من أوزانه وأعاريضه حتى يميت الدواعي إليه من نفسه ، فلا تنزع به الفطرة ، لا تستدرجه العادة ، وعظم ذلك عنده وبلغ ، لا يعرف أحد من العرب كره قول الشعر كرهه ، ولا أبغضه ، بغضه ، مع تأصله في فطرتهم ، ونزوعهم إليه بالعرق ، ونشأة الناشئ منهم على أسبابه من طبيعة الأرض وطبائع أهلها ، وعلى أنه لا يفتأ يدور في مسمعه ، ويختم في قلبه ، ولا يبرح منه راويا أو حاكيا ، فقد كان حكمة القوم وسياستهم ومعدن آدابهم وديوان أخبارهم ، بل كان عبادة أرواحهم لطبيعة أرضهم ، والصلة المحفوظة بينهم وبين ماضيهم ، كما سلفت الإشارة إليه في موضعه ، ولذا قال صلّى اللّه عليه وسلم « لما نشأت بغضت إليّ الأوثان وبغّض إليّ الشعر « 1 » . ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين ، فعصمني اللّه منهما ، ثم لم أعد » . لا جرم أن ذلك تأديب من اللّه أراد به تحويل فطرته صلّى اللّه عليه وسلم عن الشعر وقوله ، حتى لا تنزع به العادة منزعا ، ولا تذهب في أسبابه مذهبا وحتى تستوي في ذلك ظاهرا ودخلة ، فلا يستطرق لها الوهم من باب ولا يجد إليها مهوى يبلغه ، ومتى كان بغض الشعر في نفسه كبغض الأوثان وأن العمل في ذلك بالنسبة إليه كالعمل لهذه ، فكيف يمكن أن يبقى له مع هذا كله طبع فيه أو وجه إليه . وكيف يتأتى أن يكون مثل هذا أدبا أخذ به نفسه وراضها عليه ، دون أن يكون تأديبا من اللّه وتصرفا منه ، في تكوين نفسه وتهذيب فطرته ، وتحويل طبعه ، وأن يكون قد منعه في هذا الباب ما لم يمنعه أحدا من قومه ، كما أعطاه في أبواب كثيرة ما لم يعطه أحدا منهم ، وخاصة إذا عرفت أن الشعر قد كان سجية في أهله ، وأنه ليس من بني عبد المطلب رجالا ونساء من لم يقل الشعر

--> ( 1 ) أي قوله وعمله . كما فسروه وكما هو ظاهر ، وعطف الشعراء على الأوثان هذا الحديث عجيب ، فما من شاعر إلا له كالوثن ، من امرأة ، أو رذيلة ، أو نحوها .